بقلم: دكتورة شيماء عبد الرحمن السيد
نائب رئيس القسم الديني
ليس كل ما نمر به في هذه الحياة يأتي على وفق أمانينا، وليس كل ما نتمناه يتحقق في الوقت الذي نريده، فقد تأتي الأيام بما لا تشتهيه الأنفس، فنفقد عزيزًا، أو نمرض بعد صحة، أو تضيق بنا الأرزاق، أو نتألم من خذلان قريب، أو نقف أمام أبواب أُغلقت في وجوهنا رغم كثرة المحاولات والدعاء.
وفي لحظات الانكسار، تتزاحم الأسئلة في قلوبنا: لماذا يحدث هذا لي؟ لماذا طال البلاء؟ لماذا دعوت الله كثيرًا ولم أرَ الإجابة التي أنتظرها؟ وهل يعني ما أمر به أن الله غاضب عليَّ؟
وهنا نحتاج إلى أن نعيد النظر في مفهوم الابتلاء، وأن نفهمه في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية؛ فالابتلاء ليس دائمًا عقوبة، كما أن الرخاء ليس دائمًا علامة على الرضا، وإنما الحياة كلها ميدان اختبار، تتجلى فيه حقيقة الإيمان، ويظهر فيه صدق التوكل، ويُعرف به مقام الصبر والشكر والرضا.
إن المؤمن لا يقيس محبة الله له بمدى خلو حياته من المشكلات، بل يقيس نجاحه بمدى قربه من الله في أوقات الشدة والرخاء، وبقدرته على التمسك بطاعته حين تضيق الدنيا، والثبات على الحق حين تتغير الأحوال.
أولًا: الابتلاء سنة إلهية لا يستثنى منها أحد
من الحقائق التي ينبغي أن تستقر في قلوبنا أن الابتلاء سنة من سنن الله في خلقه، فلا يسلم منه نبي مرسل، ولا عبد صالح، ولا مؤمن صادق. ولو كانت النجاة من المصائب دليلًا على قوة الإيمان، لكان الأنبياء أولى الناس بها، لكنهم كانوا من أشد الناس ابتلاءً؛ لأن الله اصطفاهم لحمل رسالته، وجعل في صبرهم وثباتهم قدوة للعالمين.
يقول الله سبحانه وتعالى:
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2].
تأمل هذه الآية العظيمة؛ فالله سبحانه لم يقل ليبلوكم أيكم أكثر مالًا، أو أطول عمرًا، أو أقل همًّا، وإنما قال: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
فالمعيار الحقيقي ليس ما نملكه، وإنما كيف نتصرف فيما نمر به. هل نشكر عند النعمة؟ هل نصبر عند المصيبة؟ هل نحفظ ألسنتنا من الاعتراض المحرم؟ هل نلجأ إلى الله حين تنقطع الأسباب؟ وهل تبقى قلوبنا معلقة به عندما تتأخر الإجابة؟
وقال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
إنها آية تحمل في طياتها حقيقة عظيمة: أن طريق الجنة قد يمر بالشدائد، وأن أهل الإيمان قد يبلغ بهم الألم مبلغًا عظيمًا، ومع ذلك لا يكون البلاء نهاية الطريق، بل قد يكون مرحلة تسبق الفرج والنصر.
وليس معنى ذلك أن كل شدة يعقبها الفرج بالصورة التي نتمناها أو في الوقت الذي نحدده، وإنما معناه أن رحمة الله لا تنقطع عن عبده، وأن وعده حق، وأن المؤمن لا يفقد رجاءه في حكمته ورحمته مهما اشتدت عليه المحن.
ثانيًا: لماذا يبتلينا الله ونحن نحبه ونعبده؟
قد يسأل الإنسان: إذا كان الله رحيمًا بعباده، فلماذا يبتليهم بالأمراض والفقد والفقر والحزن؟
والجواب أن رحمة الله أوسع من أن تُحصر في إعطاء الإنسان كل ما يريد، وأن حكمته سبحانه أعظم من أن تحيط بها عقولنا المحدودة.
فنحن ننظر إلى الحدث في لحظته، بينما لا نعلم جميع ما يترتب عليه، ولا نعرف الغيب، ولا ندرك كل أوجه الحكمة فيما يقع لنا.
وقد يكون في البلاء تكفير للذنوب، أو رفع للدرجات، أو تربية للنفس، أو تنبيه للغافل، أو اختبار للصادق في إيمانه، وقد تجتمع في الابتلاء أكثر من حكمة.
قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
لاحظ أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، ثم ختم الآية بالبشارة، وكأنها رسالة إلى كل قلب أنهكه الانتظار، وكل نفس أرهقها الحزن، وكل إنسان ظن أن مصيبته قد سلبته كل أسباب السعادة.
إن الله لم يعد الصابرين بخلو حياتهم من الألم، لكنه وعدهم بالبشارة، والبشارة قد تكون في الدنيا بالفرج والعوض والسكينة، وقد يكون أعظم العوض مدخرًا لهم عند الله في الآخرة.
وقال سبحانه:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31].
ومعنى ذلك أن الله سبحانه يعلم ما كان وما سيكون، ولا تخفى عليه خافية، وإنما يظهر أثر الابتلاء في واقع الناس، وتقوم الحجة عليهم بما يصدر منهم من أعمال ومواقف.
فالابتلاء يكشف حقيقة التعلق بالله، ويميز بين من يعبده على كل حال، ومن لا يرضى إلا إذا جاءت الأقدار موافقة لرغباته.
ثالثًا: أشد الناس ابتلاءً هم الأنبياء والصالحون
من أكثر الأفكار التي قد تُضعف الإنسان وقت الشدة أن يظن أن وقوع المصيبة دليل على أن الله لا يحبه، أو أن العبد لو كان صالحًا لما أصابه ما أصابه.
لكن السنة النبوية تهدم هذا الفهم من أساسه.
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة».
رواه الترمذي، وحسنه أهل العلم.
هذا الحديث يبين أن البلاء قد يكون من أسباب رفعة المؤمن وتكفير سيئاته، وأنه ليس حكمًا على منزلة الإنسان عند الله بمجرد وقوع المصيبة.
ولنتأمل سيرة الأنبياء، ففيها عزاء لكل مبتلى.
نبي الله أيوب عليه السلام: حين يطول الألم ويبقى الرجاء
ابتُلي أيوب عليه السلام بضر شديد، ومع ذلك ظل قلبه متعلقًا بربه، لا يقطع الرجاء في رحمته.
قال تعالى على لسانه:
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83].
ما أعظم هذا الدعاء!
لم يذكر أيوب عليه السلام تفاصيل ألمه، ولم يتكلف ألفاظًا طويلة، وإنما عرض حاله على ربه، ثم أثنى عليه برحمته الواسعة.
إنه يعلم أن ضعفه لا يخفى على الله، وأن شكواه إلى الله ليست اعتراضًا على قضائه، بل هي افتقار إلى رحمته وطلب لفرجه.
فإذا طال مرضك، أو اشتد وجعك، أو عجزت عن تفسير ما تمر به، فتذكر دعاء أيوب عليه السلام، وقل بقلب صادق: يا رب، مسني الضر، وأنت أرحم الراحمين.
ثم قال الله سبحانه:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 84].
لقد جاء الفرج من الله، وكانت القصة ذكرى للعابدين، حتى يتعلم كل مبتلى أن باب الدعاء مفتوح، وأن رحمة الله لا يعجزها شيء.
نبي الله يعقوب عليه السلام: حين يشتد الحزن ولا ينقطع الأمل
فقد يعقوب عليه السلام ابنه يوسف، وطال فراقه له، وحزن حزنًا شديدًا.
قال تعالى:
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84].
ومع هذا الحزن العميق، لم ينقطع رجاؤه في الله، بل قال لأبنائه:
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].
وهنا نتعلم أن الصبر لا يعني انعدام الحزن، وأن قوة الإيمان لا تعني أن الإنسان لا يبكي ولا يتألم.
لقد حزن يعقوب عليه السلام، لكنه لم ييأس من رحمة الله.
فإذا فقدت عزيزًا، أو طال انتظارك، أو انكسر قلبك من موقف لا تستطيع نسيانه، فلا تجعل حزنك بابًا لليأس. احزن، وادعُ، وابكِ إن غلبتك دموعك، ولكن أبقِ نافذة الرجاء مفتوحة، ولا تقطع صلتك بالله.
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: أعظم الخلق ابتلاءً
ابتُلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بفقد الأحبة، وأذى قومه، والجوع، والحصار، والحروب، ومع ذلك كان أثبت الناس قلبًا، وأعظمهم توكلًا على الله، وأرحمهم بالخلق.
فقد فقد زوجته خديجة رضي الله عنها، وعمه أبا طالب، وذاق ألوانًا من الأذى، لكنه لم يترك الدعوة، ولم يجعل المصائب سببًا للانقطاع عن ربه.
وكان صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى الله بالدعاء والصلاة، ويعلّم أصحابه أن المؤمن يعيش بين الصبر والشكر، فلا يطغيه الرخاء ولا يكسره البلاء.
إن سيرته تعلمنا أن الطريق إلى الله ليس طريقًا مفروشًا بالراحة الدائمة، وإنما هو طريق يحتاج إلى صبر ويقين وثبات.
رابعًا: الابتلاء قد يكون تكفيرًا للذنوب ورفعةً للدرجات
من رحمة الله بعباده أن المصيبة التي يكرهها الإنسان قد تكون سببًا في محو بعض سيئاته، إذا صبر واحتسب ولم يقابلها بما يغضب الله.
عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه».
متفق عليه؛ رواه البخاري ومسلم.
تأمل كيف يشمل الحديث التعب والمرض والهم والحزن والأذى، حتى الشوكة الصغيرة التي تصيب الإنسان.
إن الله سبحانه لا يضيع ألم عبده المؤمن، ولا يخفى عليه ما يتحمله من مشقة، وإن كان الناس لا يرون ما في قلبه من وجع.
وقد تمر بالإنسان أيام يبتسم فيها أمام الناس، بينما يحمل في داخله أحزانًا لا يعلم بها إلا الله، وقد يؤدي واجباته وهو يقاوم ألمًا نفسيًا أو جسديًا لا يراه أحد.
فليعلم أن الله مطلع عليه، وأن الصبر الذي يجاهد نفسه من أجله ليس أمرًا هينًا عند الله.
وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».
رواه مسلم.
وهذه من أعظم البشارات للمؤمن؛ لأن حياته كلها يمكن أن تتحول إلى أبواب للخير.
فإذا رُزق شكر، وإذا مُنع صبر، وإذا أخطأ تاب، وإذا أذنب استغفر، وإذا ضاقت به الأسباب أحسن الظن بربه، وإذا جاءه الفرج ازداد تواضعًا وحمدًا.
وهكذا لا تكون السعادة الحقيقية في أن تخلو الحياة من التقلبات، بل في أن يعرف القلب كيف يتعامل معها بما يرضي الله.
خامسًا: أنواع الابتلاء.. فليس الابتلاء مصائب فقط
يظن بعض الناس أن الابتلاء لا يكون إلا بالمرض والفقر وفقد الأحبة، لكن القرآن الكريم يبين أن الابتلاء قد يأتي في صورة النعمة كما يأتي في صورة الشدة.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16].
ثم قال تعالى:
﴿كَلَّا﴾ [الفجر: 17].
أي ليس الأمر كما يظن الإنسان؛ فليس كل من وُسِّع عليه الرزق مكرمًا بالضرورة من جهة رضا الله، وليس كل من ضُيِّق عليه الرزق مهانًا عنده.
فالمال ابتلاء: هل نشكر الله عليه؟ هل نؤدي الحقوق؟ هل نعين المحتاج؟ هل نتجنب الحرام؟
والمنصب ابتلاء: هل نعدل أم نظلم؟ هل نتواضع أم نتكبر؟
والصحة ابتلاء: هل نستعملها في الطاعة أم نضيعها فيما لا ينفع؟
والعلم ابتلاء: هل نعمل به وننفع الناس أم نجعله وسيلة للغرور؟
والأبناء ابتلاء: هل نربيهم على الإيمان والأخلاق؟ وهل نؤدي حقوقهم ونصبر على مسؤولياتهم؟
وكذلك الفقر والمرض والوحدة وفقد الأحبة، كلها مواقف تحتاج إلى عبودية وصبر وتوكل.
إن المؤمن لا يسأل فقط: لماذا حُرمت مما أحب؟ بل يسأل أيضًا: كيف أؤدي حق الله فيما أعطاني؟
فقد يكون امتحان الإنسان في النعمة أشد من امتحانه في الشدة؛ لأن النعمة قد تنسيه المنعم، بينما الشدة قد تدفعه إلى باب الدعاء والانكسار بين يدي الله.
سادسًا: هل كل بلاء عقوبة من الله؟
هذا سؤال يحتاج إلى فهم دقيق؛ فلا يجوز لنا أن نجزم بأن مصيبة شخص بعينه عقوبة له، كما لا يجوز أن نجزم بأن كل مصيبة دليل على رفعة درجته؛ لأننا لا نعلم الغيب ولا نحيط بحكمة الله في كل واقعة.
قد تكون المصيبة تكفيرًا للذنوب، وقد تكون رفعًا للدرجات، وقد تكون تذكيرًا للإنسان ليراجع نفسه ويتوب من تقصيره، وقد تقع لحكم أخرى يعلمها الله.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
فالآية تذكر الإنسان بمسؤوليته عن أعماله، وتدعوه إلى التوبة ومراجعة النفس، لكنها لا تمنحنا الحق في اتهام كل مبتلى بأنه يعاقَب على ذنب بعينه.
وقال سبحانه:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22].
والواجب على المؤمن إذا أصابته مصيبة أن يجمع بين أمرين: مراجعة النفس والتوبة من الذنوب، وحسن الظن بالله وعدم القنوط من رحمته.
فلا يقول: أنا صالح، فلماذا ابتلاني الله؟ ولا يقول: أصابتني مصيبة، إذن لا بد أن الله يكرهني.
بل يقول: يا رب، اغفر لي ما أعلم وما لا أعلم، وأصلح قلبي وعملي، وارزقني الصبر والحكمة، واجعل ما أصابني خيرًا لي في ديني ودنياي وآخرتي.
سابعًا: الصبر عند الصدمة الأولى
ليس الصبر أن يشعر الإنسان بالألم ثم يتظاهر بأنه لم يتألم، وليس الصبر أن يمنع نفسه من الدموع أو يكتم مشاعره حتى تنهكه.
الصبر الحقيقي هو أن يحفظ الإنسان لسانه وجوارحه من الاعتراض المحرم، وألا يفقد رجاءه في الله، وأن يواصل أداء ما يستطيع من واجباته، مستعينًا بربه.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال لها:
«اتقي الله واصبري».
فقالت: إليك عني، فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي. ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال:
«إنما الصبر عند الصدمة الأولى».
متفق عليه؛ رواه البخاري ومسلم.
ومعنى الحديث أن الصبر الذي يظهر عند أول مفاجأة المصيبة له منزلة عظيمة؛ لأنه الوقت الذي تكون فيه النفس أشد اضطرابًا وألمًا.
ومع ذلك، فإن من ضعف في اللحظات الأولى ثم راجع نفسه واستعان بالله وصبر بعد ذلك، فباب الرحمة والتوبة مفتوح، ولا ينبغي أن ييأس من نفسه.
ولا ينبغي أن نؤذي المبتلى بعبارات قاسية مثل: لو كنت قوي الإيمان لما بكيت، أو لو كنت راضيًا لما حزنت.
فالحزن شعور بشري، وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال:
«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
رواه البخاري.
فهذا هو الميزان: دموع لا تمنع الإيمان، وحزن لا يقطع الرجاء، وقلب موجوع لا يتوقف عن التعلق بالله.
ثامنًا: ماذا نفعل عندما يشتد الابتلاء؟
1. نلجأ إلى الله بالدعاء
الدعاء ليس آخر باب نطرقه عندما تفشل جميع الحلول، بل هو عبادة عظيمة يلجأ بها العبد إلى ربه في كل وقت.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].
وقد تكون الاستجابة بتحقيق المطلوب، أو بصرف شر، أو بادخار الأجر للآخرة؛ فلا ينبغي أن ييأس الإنسان إذا تأخرت الإجابة عن الصورة التي ينتظرها.
ومن أدعية الأنبياء العظيمة دعاء يونس عليه السلام، حين نادى ربه وهو في ظلمات البحر وبطن الحوت:
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
قال الله تعالى بعد ذلك:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].
في هذا الدعاء توحيد لله، وتنزيه له، واعتراف بتقصير النفس؛ وهو دعاء عظيم يُرجى به الفرج، دون اعتقاد أن ترديده عددًا معينًا يضمن نتيجة محددة.
2. نحافظ على الصلاة
عندما تتراكم الهموم، قد يشعر الإنسان أنه لا يستطيع أن يتحدث إلى أحد، أو أنه لا يجد من يفهم ما في قلبه. وهنا تأتي الصلاة لتكون وقفة بين يدي الله، يضع فيها العبد ضعفه وحاجته بين يدي خالقه.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
ليست الصلاة مجرد حركات يؤديها الإنسان، بل هي صلة بالله، وتجديد للعهد معه، واستعانة به على ما يثقل القلب.
وإذا عجزت عن إطالة القيام، فأدِّ ما تستطيع من الصلاة المفروضة، وحافظ على أذكارك، واسأل الله العون والثبات.
3. نحسن الظن بالله
حسن الظن بالله لا يعني أن نتوقع دائمًا وقوع ما نتمناه بالطريقة التي نحددها، وإنما يعني أن نثق برحمته وعدله وحكمته، وألا نقنط من فرجه، وألا نفسر كل تأخير بأنه حرمان نهائي.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
قد لا تفهم الآن لماذا أُغلق باب كنت تظن أن سعادتك كلها خلفه، وقد لا تعرف لماذا تأخر أمر دعوت الله به سنوات، لكن عدم معرفتك بالحكمة لا يعني عدم وجودها.
وليس مطلوبًا منك أن تعرف الغيب حتى تثق بالله؛ يكفي أن تعرف أن ربك رحيم حكيم، وأنك تستطيع أن تدعوه وتستعين به وتأخذ بالأسباب.
4. نأخذ بالأسباب ولا نستسلم
الصبر لا يعني ترك العلاج، ولا يعني الاستسلام للفقر، ولا يعني البقاء في ظلم يمكن دفعه، ولا يعني الامتناع عن طلب المساعدة.
فالمريض يصبر ويتعالج، والمحتاج يصبر ويسعى إلى الرزق الحلال، والمظلوم يصبر ويطلب حقه بالوسائل المشروعة، ومن يمر بضيق نفسي يستعين بالله ويطلب الدعم المناسب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز».
رواه مسلم.
فالمؤمن يجمع بين التوكل والعمل؛ لا يعتمد على الأسباب وحدها، ولا يتركها بحجة أن كل شيء مكتوب.
5. نبتعد عن مقارنة حياتنا بحياة الآخرين
من أشد ما يزيد ألم الابتلاء أن ينظر الإنسان إلى حياة غيره، فيرى سعادتهم الظاهرة، وأموالهم، وأبناءهم، ونجاحهم، ثم يظن أنه وحده الذي يتألم.
لكننا لا نرى كل ما يخفيه الناس خلف ابتساماتهم، ولا نعرف اختباراتهم الخاصة، ولا نعلم ما يحمله كل قلب من هموم.
وقد نهانا الله عن تمني ما فضل به بعض الناس بعضًا، فقال سبحانه:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 32].
انظر إلى حياتك بعين الشكر، واسأل الله من فضله، واسعَ إلى تحسين واقعك، ولا تجعل مقارنة نفسك بالآخرين تسرق منك ما بقي في قلبك من طمأنينة.
6. نكثر من الاستغفار والتوبة
عندما تقع المصيبة، ينبغي أن نراجع أعمالنا دون أن نحكم على أنفسنا بالهلاك أو نظن أن الله أغلق أبواب الرحمة أمامنا.
قال تعالى:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
والتوبة ليست حكرًا على المذنبين الذين وقعوا في كبائر الذنوب، بل هي عبادة يحتاج إليها كل إنسان؛ لأنه مهما اجتهد يظل محتاجًا إلى مغفرة الله ورحمته.
استغفر الله، ورد المظالم إلى أهلها، وأصلح ما تستطيع إصلاحه، ثم لا تسمح للشيطان أن يحول ندمك إلى يأس؛ فالتوبة باب رجاء، وليست باب قنوط.
7. نحتسب الأجر عند الله
الاحتساب هو أن يصبر العبد على ما أصابه ابتغاء وجه الله وثوابه، عالمًا أن ما عند الله خير وأبقى.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
وقد يكون البلاء طويلًا، وقد لا يجد الإنسان من يقدّر ما يتحمله، لكن المؤمن يعلم أن الله لا يخفى عليه شيء، وأن أجر الصبر ليس مرتبطًا بتصفيق الناس أو اعترافهم بوجعه.
فاصبر ولو لم يفهمك أحد، واحتسب ولو لم يشكرك أحد، واستعن بالله ولو شعرت بالوحدة؛ فالله يعلم ما في الصدور.
تاسعًا: هل الصبر يعني ألا نشكو؟
ليس الصبر أن يمنع الإنسان نفسه من كل شكوى، وإنما هناك فرق بين الشكوى إلى الله والاعتراض على الله.
لقد قال يعقوب عليه السلام:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 86].
فهو يشكو حزنه إلى الله، ويعرض ضعفه وحاجته على ربه، ومع ذلك فهو من الصابرين.
ومن حق الإنسان أن يتحدث إلى شخص أمين يثق به، وأن يطلب الدعم من أهله وأصدقائه، وأن يصف ألمه حتى يجد من يعينه، ما دام ذلك لا يتضمن اعتراضًا محرمًا أو اتهامًا لله بالظلم.
بل إن كتمان الألم بصورة تضر بصحة الإنسان ليس مطلوبًا شرعًا؛ فطلب المساعدة والأخذ بالأسباب لا ينافيان الصبر والتوكل.
إن القلب قد يحتاج إلى كلمة طيبة، والأم المرهقة قد تحتاج إلى من يساعدها، والمريض قد يحتاج إلى طبيب، والمهموم قد يحتاج إلى من يسمعه. وكل ذلك من الأخذ بالأسباب التي أباحها الله.
عاشرًا: لا تستعجل الفرج ولا تحدد لله كيف ينقذك
من أصعب مراحل الابتلاء أن يطول الانتظار، وأن يدعو الإنسان مرارًا ثم لا يرى التغيير الذي يرجوه.
وقد يدخل الشيطان من هذا الباب، فيوسوس للعبد بأن دعاءه لم يُسمع، أو أن الأبواب أُغلقت في وجهه، أو أنه لا فائدة من المحاولة.
لكن المؤمن يعلم أن الدعاء عبادة، وأن الله يسمع دعاء عبده، وأن تأخر تحقق المطلوب لا يعني أن الله غافل عنه.
قال تعالى:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].
وقال سبحانه:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
إن تكرار الوعد باليسر يبعث الأمل في قلب المؤمن، ويعلمه ألا يحصر نظره في اللحظة الصعبة التي يعيشها.
وقد يكون اليسر في زوال المصيبة، أو في تخفيف آثارها، أو في تيسير أسباب التعامل معها، أو في قوة يمنحها الله لقلبك حتى تستطيع الاستمرار.
ولا يجوز أن نجعل هذه الآية وعدًا بأن كل مشكلة ستنتهي فورًا بالصورة التي نريدها، لكنها وعد إلهي عظيم يفتح باب الرجاء ويذكرنا بأن العسر ليس كل الحقيقة.
الحادي عشر: ماذا لو طال الابتلاء ولم يأتِ الفرج؟
هذا هو السؤال الذي يسكن قلوب كثير من الناس: ماذا لو دعوت سنوات؟ ماذا لو ظل المرض؟ ماذا لو لم يعد الغائب؟ ماذا لو لم تتحقق الأمنية التي عشت من أجلها؟
والجواب أن العبد ليس مطالبًا بمعرفة الغيب، ولا بأن يضمن لنفسه شكل النهاية، وإنما هو مطالب بأن يعبد الله ويستعين به، وأن يسعى فيما يستطيع، وأن يحفظ قلبه من القنوط.
ليس كل فرج يأتي في الموعد الذي نختاره، وليس كل عوض يأتي في الصورة التي رسمناها، لكن المؤمن لا يجعل تأخر مراده سببًا لقطع علاقته بالله.
تأمل قول الله سبحانه:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
فالإنسان قد يصل في بعض مراحل حياته إلى أقصى ما يستطيع من الاحتمال، وعندها يحتاج إلى رحمة الله، وإلى من يسانده، وإلى أن يتعامل مع يومه خطوة خطوة.
لا تحمل همّ السنوات كلها في لحظة واحدة، ولا تطلب من نفسك أن تكون قويًا طوال الوقت. خذ بالأسباب المتاحة، واطلب العون، وادع الله، وابدأ بما تستطيع اليوم.
وإذا لم يتغير الظرف الخارجي سريعًا، فلا يعني ذلك أنك عاجز عن إصلاح شيء في حياتك؛ فقد تستطيع طلب علاج أفضل، أو الاستعانة بأحد من أهلك، أو تنظيم أمورك، أو حماية نفسك من الأذى، أو تعلم طريقة جديدة للتعامل مع المشكلة.
والأهم أن يبقى قلبك متعلقًا بالله، وأن تتذكر أن الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء كامل، وأن العدل التام والجزاء الكامل عند الله يوم القيامة.
الثاني عشر: العوض من الله.. ليس دائمًا كما نتوقع
من رحمة الله أن يفتح لعبده أبوابًا لم يكن يتوقعها، وقد يعوضه عما فقده بما هو خير له في دينه أو دنياه، لكن لا ينبغي لنا أن نعد كل مبتلى بعوض دنيوي محدد أو أن نجزم بأن كل خسارة سيأتي بدلها شيء مماثل.
فقد يفقد الإنسان مالًا، فيتعلم القناعة وحسن التدبير، وقد يمر بتجربة قاسية، فيزداد رحمة بالآخرين، وقد يفقد مكانة كان يتشبث بها، فيكتشف أبوابًا جديدة للعمل والعبادة.
وقد يكون أعظم ما يمنحه الله لعبده في أثناء البلاء سكينة في قلبه، وثباتًا في دينه، ونجاة من ذنب، وقربًا من ربه.
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
والآية تبعث على التقوى والثقة بوعد الله، وتدعو الإنسان إلى أن يجعل طاعة الله أساس قراراته، حتى عندما تضيق به السبل.
لكن علينا أن نفهمها كما وردت، لا أن نحولها إلى وعد آلي بأن كل أزمة ستنتهي بالطريقة التي نحددها. فالله يقدر الأمور بحكمته، والعبد يسعى ويتوكل ويرجو فضل ربه.
الثالث عشر: ابتلاءات الناس مختلفة، فلا تحتقر وجع أحد
قد تكون مصيبة الإنسان في نظر غيره صغيرة، لكنها في نفسه كبيرة، وقد يمر شخص بأزمة لا يستطيع التعبير عنها، فيبدو هادئًا وهو يعاني في داخله.
فلا تقل لمريض: غيرك أشد منك مرضًا، ولا تقل لمن فقد عزيزًا: انسَ الأمر، ولا تقل لمن ضاقت به معيشته: أنت لا تعرف قيمة النعمة، وكأن الكلمات القاسية ستنهي معاناته.
بل كن رحيمًا، واستمع، وواسِ، وساعد بما تستطيع.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من لا يَرحم لا يُرحم».
متفق عليه؛ رواه البخاري ومسلم.
ومن الرحمة أن نخفف عن الناس بدلًا من أن نزيد أحمالهم، وأن نذكّرهم بالله بلطف، لا أن نحاكم إيمانهم بسبب دمعة أو لحظة ضعف.
وقد تكون كلمة صادقة سببًا في أن يشعر المبتلى بأنه ليس وحده، وأن هناك من يفهمه ويسانده.
وتذكر أن من أعظم القربات أن تقف إلى جوار إنسان في وقت محنته، وأن تساعده في قضاء حاجة، أو تحمل عنه بعض المسؤوليات، أو تدله على طريق للعلاج والمساندة.
الرابع عشر: كيف يتحول الابتلاء إلى طريق للقرب من الله؟
ليس المقصود من الابتلاء أن يعيش الإنسان أسير الألم، أو أن يتوقف عن التخطيط لمستقبله، وإنما أن يتعلم كيف يجعل المحنة سببًا لمراجعة نفسه وتقوية علاقته بربه.
ابدأ بسؤال نفسك:
- هل حافظت على صلاتي في وقت الشدة؟
- هل ازددت رحمة بالناس الذين يعانون؟
- هل راجعت حقوق الآخرين التي قد أكون قصرت فيها؟
- هل تعلمت أن النعمة ليست مضمونة، وأن الشكر واجب؟
- هل أخذت بالأسباب أم استسلمت لليأس؟
- هل أصبحت أكثر تواضعًا وافتقارًا إلى الله؟
إذا وجدت تقصيرًا، فأصلحه دون أن تجلد نفسك أو تقنط من الرحمة.
وإذا وجدت في نفسك ضعفًا، فاستعن بالله وجدد المحاولة.
وإذا كنت قد صبرت طويلًا، فلا تجعل التعب الذي شعرت به سببًا لاحتقار نفسك؛ فالمؤمن بشر، يضعف أحيانًا، ثم يستعين بربه ويعود إلى الطريق.
إن النجاح الحقيقي ليس أن تخرج من كل تجربة كما دخلت إليها، بل أن تخرج منها أكثر وعيًا، وأصدق توبة، وأرحم قلبًا، وأقوى تعلقًا بالله.
الخامس عشر: رسائل إلى كل مبتلى
إلى المريض: لا تجعل المرض يسرق منك رجاءك في رحمة الله. اطلب العلاج، وادعُ ربك، واستعن بمن حولك، واحتسب ما تلقاه من ألم، ولا تلُم نفسك لأنك تشعر بالتعب.
إلى من فقد عزيزًا: حزنك مفهوم، ودموعك لا تنفي صبرك. ادعُ لمن فقدت، وامنح نفسك الوقت، واستعن بأهلك ومن تثق بهم، وتذكر أن الفراق من أشد اختبارات الحياة.
إلى من ضاق رزقه: لا تجعل قلة المال مقياسًا لقيمتك. اسعَ إلى الرزق الحلال، وتعلم ما ينفعك، واطلب المساعدة عند الحاجة، ولا تيأس من فضل الله.
إلى من تأخر زواجه أو الإنجاب أو تحقق أمنيته: لا تجعل تأخر ما تتمناه سببًا لاحتقار نفسك أو اليأس من حياتك. ادعُ الله، وخذ بالأسباب المشروعة، ولا تحصر سعادتك كلها في أمر واحد، مهما كان عزيزًا على قلبك.
إلى من ظُلم: لا تظن أن الصبر يعني أن تتنازل عن حقوقك. اطلب حقك بالطرق المشروعة، واحمِ نفسك من الأذى، واستعن بمن يستطيع مساعدتك، ولا تسمح للظلم أن يدفعك إلى ظلم غيرك.
إلى من أثقله الحزن: ليس مطلوبًا منك أن تحمل كل شيء وحدك. تحدث إلى شخص تثق به، واطلب الدعم المناسب، واستعن بالله، وتذكر أن التعب النفسي لا يعني ضعف الإيمان.
إلى من طال انتظاره: لا تحكم على مستقبلك من شدة لحظتك الحالية. ما زالت أمامك أسباب يمكنك الأخذ بها، وما زال الدعاء بابًا مفتوحًا، وما زالت رحمة الله أوسع من تصورك.
السادس عشر: الدعاء.. ملجأ القلوب عند الشدائد
من أعظم ما يفعله المؤمن وقت الابتلاء أن يكثر من الدعاء، وأن يختار الأدعية الواردة في القرآن والسنة، وأن يدعو الله بما يحتاج إليه من خير الدنيا والآخرة.
ومن الأدعية القرآنية:
دعاء أيوب عليه السلام:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83].
دعاء يونس عليه السلام:
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
دعاء الثبات:
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126].
ومن الدعاء النبوي عند الكرب، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب:
«لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم».
متفق عليه؛ رواه البخاري ومسلم.
ومن دعائه صلى الله عليه وسلم:
«اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضَلَع الدَّين وغلبة الرجال».
رواه البخاري.
خاتمة:
لا تقِس محبة الله لك بمدى سهولة حياتك، ولا تقِس قربك منه بمدى سرعة تحقق أمنياتك. اجعل ميزانك هو صدق العبودية، وحسن التوكل، والاستقامة، والرحمة بالخلق، والصبر الذي يدفعك إلى الخير
وإذا ضعفت، فاستعن بالله. وإذا أخطأت، فتب إليه. وإذا حزنت، فاشكُ إليه. وإذا رزقك، فاشكره. وإذا ضاقت بك الأسباب، فابحث عن المخرج المشروع ولا تستسلم.
واعلم أن الصبر لا يعني أن تتوقف الحياة، بل أن تواصل السير فيها مستعينًا بالله، وأن تعمل بما تستطيع، وأن تقبل أنك لا تملك كل النتائج، وأن تترك ما لا تستطيع التحكم فيه لحكمة الله ورحمته.
وقد لا تفهم الآن الحكمة من بعض ما تمر به، لكنك تستطيع أن تجعل أيامك الحالية أيام دعاء وعمل وإصلاح، بدلًا من أن تكون أيام يأس وانقطاع.
وتذكر دائمًا قول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].
إنها ليست مجرد كلمات تقال عند المصيبة، بل عقيدة يعيش بها المؤمن: نحن لله ملكًا وعبودية، وإليه المرجع والمصير، وما عنده أبقى وأعظم.
فإذا ابتلاك الله، فلا تجعل البلاء يقطعك عنه، وإذا تأخر الفرج، فلا تجعل الانتظار يسرق منك حسن الظن به، وإذا اشتد الألم، فلا تحرم نفسك من طلب المساعدة والأخذ بالأسباب.
فالبلاء ليس نهاية الطريق، والصبر ليس استسلامًا، والدعاء ليس عجزًا، والفرج ليس شرطًا أن يأتي وفق الصورة التي رسمناها. وإنما طريق المؤمن أن يعبد الله في كل أحواله، ويثق برحمته، ويسعى إلى الخير، ويرجو لقاءه بقلب سليم.
اللهم اجعلنا من الصابرين المحتسبين، وارزقنا قلوبًا مطمئنة بذكرك، ونفوسًا راضية بحكمك، وألسنة عامرة بحمدك، وأعمالًا صالحة ترضيك عنا.

إرسال تعليق